الخطيب الشربيني

414

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ [ الفيل : 3 ] وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لوقوعه خبرا ، وأن يكون حالا من المرسلين ، وأن يكون خبرا ثانيا لأنك . وقرأ قنبل « سراط » بالسين عوضا عن الصاد ، وخلف بالإشمام وهو بين الصاد والزاي ، والباقون بالصاد الخالصة . ولما كان كأنه قيل : ما هذا الذي أرسل به ؟ كان كأنه قيل جوابا : هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو : تَنْزِيلَ أو حال كونه تنزيل الْعَزِيزِ أي : المتصف بجميع صفات الجلال الرَّحِيمِ أي : الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم فهو الواحد المنفرد في ملكه ، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي تنزيل بالنصب على الحال كما مر ، أو بإضمار أعني ، والباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر كما مر . ولما ذكر تعالى المرسل وهو الله تعالى ، والمرسل وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والمرسل به وهو القرآن ذكر المرسل لهم بقوله تعالى : لِتُنْذِرَ قَوْماً أي : ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة ما أُنْذِرَ أي : لم تنذر أصلا آباؤُهُمْ أي : لم ينذروا في زمن الفترة فَهُمْ أي : بسبب زمان الفترة غافِلُونَ أي : عن الإيمان والرشد وقوله تعالى : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فيه وجوه : أشهرها : أن المراد بالقول هو قوله تعالى : « لقد حق القول مني لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين » « 1 » ثانيها : أن معناه لقد سبق في علمه تعالى أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول أي : وجب وثبت بحيث لا يبدل بغيره كما قال تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] ثالثها : المراد لقد حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل من التوحيد وغيره فَهُمْ أي : بسبب ذلك لا يُؤْمِنُونَ أي : بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكبارا في الأرض ومكر السيء . ونزل في أبي جهل وصاحبه : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا أي : بأن تضم إليها الأيدي ؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق ، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه ، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده إلى عنقه ، فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال رجل من بني مخزوم : أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه ، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له : ما صنعت ؟ فقال : ما رأيته ولقد سمعت كلاما وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ولو دنوت منه لأكلني ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال تعالى لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ وتقدم أن المراد به البرهان وقال بعد ذلك : بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ، ومنع من إرسال الحجر وهو مضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا ، وقال أهل المعاني : هذا

--> ( 1 ) هذه مأخوذة من آيتين : الأولى : وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ السجدة : 13 ] . والثانية : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 85 ] .